QNB

الأسواق الناشئة أمام فرص واعدة واضطرابات كبيرة بفعل الذكاء الاصطناعي

نشر يوم : Sun, 13 Sept 2026

يبرز الذكاء الاصطناعي بسرعة كإحدى أكثر القوى الاقتصادية التحويلية في العصر الحالي، إذ تتوقع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن يتوسع حجمه في السوق العالمية بنحو خمسة وعشرين ضعفاً ليصل إلى حوالي 4.8 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2033. وبالنسبة للاقتصادات المتقدمة، تعد هذه التكنولوجيا بمكاسب كبيرة في الإنتاجية. أما بالنسبة للأسواق الناشئة، فإن تداعياتها أكثر تعقيداً وذات حدين. فالذكاء الاصطناعي يوفر وسيلة قوية لتسريع وتيرة التنمية، وتحسين الخدمات العامة، وزيادة المعرفة الصناعية، وتجاوز التحديات المرتبطة بالبنية التحتية المتقادمة. غير أنه يهدد أيضاً بتقويض الميزة التنافسية الراسخة منذ زمن طويل وتوسيع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، لا سيما في البلدان التي تضم قطاعات خدمات كبيرة تعتمد على المهام اليدوية والمتكررة منخفضة التكلفة. ومن ثم، فإن التداعيات المحتملة على البلدان النامية كبيرة للغاية. 
ولن يعتمد الأثر النهائي للذكاء الاصطناعي على أي اقتصاد على هذه التقنية في حد ذاتها، بل أيضاً على قدرة الدول على تبنيها وتكييفها. وتدخل الأسواق الناشئة هذا التحول بمزيج فريد من المزايا ومواطن الضعف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة. وفي هذا المقال، نناقش كلا البعدين لتأثير الذكاء الاصطناعي على الأسواق الناشئة، أي فرص زيادة الإنتاجية والنمو في مقابل الاضطرابات المحتملة في عروض القيمة لقطاعات بأكملها تشكلت على مدى عقود.
من ناحية، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لزيادة الإنتاجية وتسريع وتيرة التنمية. ففي الاقتصادات التي طالما قيدها نقص العمالة الماهرة وتفاوت القدرات المؤسسية، يمكن للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن توسع نطاق الاستفادة من الخبرات النادرة. في التعليم مثلاً، يمكن لنماذج الترجمة القائمة على الذكاء الاصطناعي دعم اللهجات الإقليمية واللغات ذات الموارد المحدودة، مما يقلل من الحواجز الهيكلية أمام التواصل. ويمكن للمعلمين الافتراضيين تحسين الوصول إلى التعليم الجيد، مع تكييف الدروس بحسب مستويات مهارات كل طالب على حدة. وفي الرعاية الصحية، يمكن للتشخيصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن توسع نطاق الخدمات لتشمل المناطق الريفية، مع تحسين جودة التشخيص الأولي، بما قد يترتب عليه آثار ملموسة على وفيات الرضع ومتوسط العمر المتوقع. وفي القطاع المالي، يمكن للتصنيف الائتماني المدعوم بالذكاء الاصطناعي، باستخدام البيانات غير المهيكلة والسلوكية، أن يساعد في زيادة توافر الائتمان في التمويل متناهي الصغر لصغار المنتجين ورواد الأعمال، مع تقليل مخاطر الائتمان المرتبطة بذلك.
وعلى غرار تقنية الهاتف الجوال التي أتاحت للعديد من الدول النامية تجاوز شبكات الخطوط الثابتة والإنترنت عريض النطاق، يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانية تجاوز القيود التاريخية التي تعيق النمو. فقد أصبحت الأسواق الناشئة بالفعل مشاركاً مهماً في الاقتصاد الرقمي، حيث صدّرت خدمات قابلة للتقديم رقمياً تزيد قيمتها عن 1 تريليون دولار أمريكي في عام 2024. وإذا تم تسخير الذكاء الاصطناعي بفعالية، فقد يزيد هذا الزخم ويساعد على إنشاء قطاعات جديدة بالكامل.
QNB
قسم الاقتصاد في QNB
ومن ناحية أخرى، سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق العمل وفي نموذج التنمية الذي خدم الاقتصادات الناشئة لفترة طويلة. فهو ينقل الميزة الاقتصادية للمهام المتكررة التي تُنجز عن بُعد من المراجحة القائمة على تكلفة العمالة، والتي تعتمد على العمالة البشرية منخفضة التكلفة، إلى المراجحة القائمة على الخوارزميات، والتي تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي الأقل تكلفة. ويقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف في الأسواق الناشئة معرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في الصناعات والخدمات التي تتسم بارتفاع مستويات العمل اليدوي والروتيني.
وبات الذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين حالياً على تنفيذ المهام الإدراكية البسيطة، ومعالجة البيانات، وأعمال الفوترة الأساسية بتكلفة أقل من توظيف موظفين في الخارج. وقد بدأ أثر ذلك يظهر بالفعل في قطاع إسناد خدمات تكنولوجيا المعلومات في الهند، الذي تبلغ قيمته 300 مليار دولار أمريكي. وتُعد أدوار المطورين المبتدئين والأعمال الروتينية في إسناد العمليات التجارية من أكثر الوظائف عرضة لهذا التأثير، مما أدى إلى انخفاضات حادة في التوظيف الجامعي داخل مراكز التكنولوجيا الهندية. وقد تراجع مؤشر نيفتي لتكنولوجيا المعلومات (Nifty IT)، الذي يتتبع أداء أكبر شركات البرمجيات في الهند، بنحو 15% هذا العام، مقارنة بارتفاع قدره 20% في مؤشر MSCI للأسواق الناشئة الأوسع نطاقاً.
بشكل عام، يتيح الذكاء الاصطناعي للأسواق الناشئة فرصة محورية، لكنه يفرض في الوقت ذاته مخاطر جسيمة. وسيتطلب اغتنام هذه الفرصة تجنب البقاء على هوامش الاقتصاد العالمي المستقبلي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وسيعتمد ذلك على اتخاذ إجراءات حاسمة عبر ثلاثة محاور: إنشاء البنية التحتية الرقمية، وتطوير منظومات البيانات، والاستثمار في المهارات. فالاقتصادات التي تبادر إلى تعزيز هذه الركائز ستكون في وضع يمكّنها من تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة قوية لتقليص فجوة النمو. أما الاقتصادات التي لا تفعل ذلك، فقد تجد أن الفجوة بينها وبين الاقتصادات الرائدة تكنولوجياً تتسع، ليصبح الذكاء الاصطناعي أحد المحددات الرئيسية للتباين الاقتصادي في السنوات المقبلة.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English