QNB

الإنتاجية والذكاء الاصطناعي ومستقبل المنظومة الجديدة لنمو الاقتصاد الأمريكي

نشر يوم : Thu, 08 Jan 2026

يُعد نمو الإنتاجية المحرك الأهم للازدهار الاقتصادي طويل الأجل، فهو يحدد الوتيرة المناسبة لنمو الاقتصاد دون زيادة التضخم، ومدى سرعة تحسن مستويات المعيشة، وإمكانية استمرار ارتفاع الأجور. ومع ذلك، شهد نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة تقلبات كبيرة خلال معظم الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث كانت هناك فترات طويلة من ارتفاع نمو الإنتاجية متبوعة بفترات طويلة من انخفاضها. وبعد أن بلغ متوسط نمو إنتاجية العمال ما يقارب 3% سنوياً في العقود التي تلت الحرب، تباطأ بشكل ملحوظ حتى ظهور موجة ابتكارات الإنترنت والتجارة الإلكترونية في منتصف التسعينيات وبداية الألفينيات. وبعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت عام 2007 ولغاية فترة ما قبل جائحة كوفيد، ظلت الإنتاجية ضعيفة. وربما يكون التعافي الذي أعقب الجائحة قد أشعل شرارة المرحلة الأولى من موجة جديدة من الابتكارات، بقيادة الذكاء الاصطناعي.

QNB هناك عدة عوامل هيكلية تساعد على تفسير صعوبة نمو الإنتاجية في الدول ذات الدخل المرتفع والتي تُعد رائدة في مجال التطورات التكنولوجية. فمع نضوج الاقتصادات، تصل الابتكارات الأكثر تأثيراً إلى حالة جمود بعد فترة من تزايد الإنتاجية، فتفقد زخمها بسرعة في غياب الطفرات التكنولوجية الجديدة. وفي هذا السياق، يرى العديد من الاقتصاديين أنه "بات من الصعب التوصل إلى أفكار جديدة"، ما يستوجب بذل جهود بحثية أكبر لتحقيق نفس التأثير على النمو الذي كان سائداً في الماضي. في الوقت نفسه، استقر معدل انتشار التعليم في الاقتصادات المتقدمة، مما يحد من المكاسب الناتجة عن تطوير رأس المال البشري، إذ تتمتع معظم القوى العاملة بمستويات تعليمية عالية. وتساهم هذه العوامل مجتمعة في مرحلة من تباطؤ نمو الإنتاجية، ما يقيد النمو المحتمل للناتج المحلي الإجمالي، ويعزز فكرة دخول الاقتصادات المتقدمة في حالة اتزان تتسم بانخفاض النمو.
لكن هذه الرؤية تواجه الآن تحدياً جذرياً مع ظهور الذكاء الاصطناعي كثورة تكنولوجية جديدة محتملة، وذلك في أعقاب طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ إطلاق ChatGPT في الفترة 2020-2022. فبعد سنوات قليلة من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، يجدر الآن التساؤل عما إذا كان هذا الاختراع قادراً على إنهاء مرحلة انخفاض الإنتاجية.
في رأينا، هناك عاملان رئيسيان يدعمان إمكانات الذكاء الاصطناعي كمحرك هام للإنتاجية والنمو في الولايات المتحدة.
أولًا، تشير الطبيعة الفريدة للذكاء الاصطناعي إلى أنه يُمهد الطريق لفترة مستدامة من تسارع الإنتاجية في المستقبل. فعلى عكس موجات التحول الرقمي السابقة التي ركزت بشكل أساسي على تحسين الاتصالات وتخزين البيانات وأتمتة العمليات، يُمثل الذكاء الاصطناعي فئة متميزة من التكنولوجيا، وربما أكثر قوة بكثير. في جوهره، لا يُعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لزيادة الكفاءة، بل نظاماً قادراً على توليد معارف جديدة، وتحديد الأنماط على نطاق يفوق القدرات البشرية، وتسريع عملية حل المشكلات في جميع قطاعات الاقتصاد تقريباً. وهذه الخاصية تمنح الذكاء الاصطناعي القدرة على العمل كتقنية حقيقية "متعددة الأغراض"، تُضاهي في نطاقها الكهرباء، ومحرك الاحتراق الداخلي، والإنترنت.
من خلال تعزيز القدرات المعرفية، يوسع الذكاء الاصطناعي آفاق الذكاء البشري. فهو يختصر أوقات البحث، ويسرّع عمليات التصميم والهندسة، ويعزز التشخيص الطبي، ويحسّن كفاءة الخدمات اللوجستية، ويتيح اتخاذ القرارات الاستراتيجية في الوقت الفعلي. والأهم من ذلك، فإن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف فحسب، بل يوسع نطاق ما هو ممكن اقتصادياً وتقنياً. وأخيراً، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة، لم تكن متصورة سابقاً في الاقتصاد التقليدي، تتمثل في التخفيف جزئياً من القيود التقليدية المرتبطة بالندرة. فمن خلال تعزيز القدرات المعرفية بشكل جذري وتحسين إنتاجية رأس المال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الناتج الاقتصادي أقل ارتباطاً بالزيادة الفعلية في أعداد العمال والآلات. وبهذا المعنى، لا يُعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتعزيز الإنتاجية، بل محركاً لتوليدها، مع إمكانية رفع مستوى الناتج ومعدل نموه بمرور الوقت. 
QNB ثانياً، يؤدي الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى دورة استثنائية من الإنفاق الرأسمالي الضخم في الولايات المتحدة. تستثمر شركات الحوسبة السحابية العملاقة في الولايات المتحدة، بقيادة شركات مثل مايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا، مستويات غير مسبوقة من رأس المال في البنية التحتية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات وأشباه الموصلات المتقدمة وشبكات النطاق الترددي العالي وهياكل الحوسبة المتخصصة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الشركات تُعد من بين أكثر الشركات كفاءة في تخصيص رأس المال في التاريخ، ولها سجل حافل في الاستثمار المنضبط وخلق القيمة. لذا، فإن قرارها الجماعي باستثمار مئات المليارات من الدولارات في الذكاء الاصطناعي يُعد إشارة قوية للسوق. فهذا التوجه لا ينبع من اندفاع مبني على التخمين، بل يستند إلى تقييم راسخ بأن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل وظائف الإنتاج في مختلف قطاعات الاقتصاد بشكل جذري. 
كما أن لهذه الديناميكيات الاستثمارية أهمية في نقل التأثير الاقتصادي الكلي. فزيادة رأس المال على نطاق واسع ترفع من كمية رأس المال الإنتاجي لكل عامل، مما يُحسّن إنتاجية العمل بشكل مباشر. علاوة على ذلك، تتمتع البنية التحتية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بتأثيرات شبكية قوية: فبمجرد إنشاء المنصات الأساسية، يمكن أن يتسارع تبنيها في مختلف الشركات والقطاعات بسرعة. وهذا يُهيئ الظروف لدورات انتشار تمتد لعدة سنوات، بدلاً من طفرات إنتاجية قصيرة الأجل. في الواقع، يبدو أن الاقتصاد الأمريكي يُؤسس حالياً البنية التحتية المادية لنظام نمو جديد خلال السنوات القادمة.
بشكل عام، وبعد فترة طويلة بدا فيها أن الإنتاجية محاصرة بعوامل هيكلية معاكسة، تقف الولايات المتحدة الآن على أعتاب دورة نمو جديدة قوية محتملة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المكاسب من المرجح أن تنتشر بسرعة إلى دول أخرى، لا سيما اقتصادات آسيا والشرق الأوسط التي تستثمر بكثافة في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي. ومن المرجح أيضاً أن يتم تبني الذكاء الاصطناعي عالمياً نظراً لأن تكلفة الوصول إلى فوائده ومخرجاته منخفضة نسبياً. وبشكل عام، من شأن ذلك أن يوفر دعماً قوياً لتعزيز النمو العالمي.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير   عربي   و     English